Reflexiones del Comandante en Jefe

 

 

تأملات القائد العام

الإمبراطورية والجزيرة المستقلّة

إن تاريخ كوبا خلال السنوات المائة وأربعين الأخيرة هو تاريخ النضال من أجل صون الهوية والاستقلال الوطنيين وتاريخ تطوُّر إمبراطورية الولايات المتحدة ومثابرتها في نيتها الاستيلاء على كوبا والأساليب المريعة التي تستخدمها اليوم في سبيل المحافظة على سيطرتها على العالم.

مؤرخون كوبيون بارزون تناولوا هذه المواضيع بعمق في حقب مختلفة وكتب متنوعة ورائعة تستحق أن تكون بمتناول أبناء وطننا. هذه التأملات موجّهة خصيصاً للأجيال الجديدة لكي تتعرف على أحداث هامة جداً وحاسمة في مصير وطننا.

الجزء الأول: فرض "تعديل بلات" كملحق بالدستور الكوبي النيوكولونيالي لعام 1901.

عقيدة "الثمرة الناضجة" هي عقيدة طرحها عام 1923 جون كينسي آدامز، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الخارجية ومن ثم تحوّل إلى رئيس للولايات المتحدة. بموجب قانون الجاذبية، من المحتم أن تستولي الولايات المتحدة على بلدنا عندما ينقطع حبل تبعيته لإسبانيا.

بذريعة انفجار باخرة "ماين" (Maine) –وهي حادثة ما لم يتم كشف خفاياها بعد، والذي تم استغلاله لشن الحرب على إسبانيا؛ على غرار الحادث الذي وقع في خليج تونكين، وهو حادث، خلافاً للأول، تم التأكد من افتعاله من أجل الهجوم على فيتنام- وقّع الرئيس وليام ماك كينلي القرار المشترك الصادر في العشرين من نيسان/أبريل 1898، الذي يعلن بأن "... الشعب الكوبي هو شعب حر ومستقل ومن حقه أن يكون كذلك"، وأنه "... لا رغبة ولا نية عند الولايات المتحدة بممارسة السيادة أو فرض قانونها أو الهيمنة على الجزيرة، إلا من أجل إحلال السلام فيها، وتؤكد أنه عندما يتحقق ذلك، فإنها ستترك حكم الجزيرة والسيطرة عليها بيد شعبها". وسمح القرار المشترك للرئيس باستخدام القوة من أجل القضاء على الحكم الإسباني في كوبا.

العقيد ليونارد وود، القائد الرئيسي لكتيبة "روغ ريديرز"، وتيودور روزفلت، القائد الثاني للمتطوعين التوسعيين الذين أنزلوا في بلدنا عند الشواطئ القريبة من سنتياغو دي كوبا، بعدما دمّرت البوارج الأمريكية الأسطول الإسباني، الباسل ولكن أسيء استخدامه، ومعه قوات مشاة البحرية التي كانت على متنه، طلبا دعم الثوار الكوبيين الذين كانوا قد تكلفوا ثمناً باهظاً من التضحيات في استنزاف وإخراج الجيش الاستعماري الإسباني من المعركة. وكانت كتيبة "روغ ريديرز" قد قامت بإنزالها البحرية بدون الجياد.

على أثر هزيمة إسبانيا، في العاشر من كانون الأول/ديسمبر من عام 1898، تم توقيع معاهدة باريس بين ممثلين عن الملكة الوصية على العرش الإسباني وبين ممثلي رئيس الولايات المتحدة، واتفق الطرفان فيها، ومن وراء ظهر الشعب الكوبي، على تخلي إسبانيا عن كل حق بالسيادة على كوبا ومُلكيتها وأنها ستجلو عنها. وهكذا تخضع كوبا لاحتلال الولايات المتحدة بصفة مؤقتة.

بعدما تم تعيينه حاكماً عسكرياً أمريكياً وعميد ركن للجيش، أصدر ليونارد وود المرسوم رقم 301 في الخامس والعشرين من تموز/يوليو 1900، ويوعز فيه بإجراء اقتراع عام لانتخاب مندوبين إلى جمعية تأسيسية من واجبها الاجتماع في هافانا في الساعة الثانية عشرة من أول يوم اثنين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1900، وذلك بهدف صياغة وتبني دستور للشعب الكوبي.

في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر 1900 أجريت الانتخابات، وتم فيها اختيار 31 مندوباً جاؤوا من الأحزاب الوطني والجمهوري والاتحاد الديمقراطي. وفي الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 1900 شُرع بافتتاح المؤتمر الدستوري في قاعة مسرح "إيروخوا" في هافانا، وفي تلك المناسبة أطلق عليه اسم مسرح مارتيه.

نيابة عن رئيس الولايات المتحدة، أعلن الجنرال وود قيام الجمعية. وذكر وود مسبقاً الأهداف التي كانت تضمرها الولايات المتحدة: "بعدما تعطون صفة رسمية للعلاقات التي نرى بأنه يجب أن تقوم بين كوبا والولايات المتحدة، ستتخذ حكومة الولايات المتحدة بدون أدنى شك الإجراءات التي تؤدي من جانبها إلى اتفاق نهائي ومسؤول بين شعبي البلدين، سعياً لدعم توطّد مصالحهما المشتركة".

نص دستور عام 1901 في مادته الثانية بأن "أراضي الجمهورية تتكون من جزيرة كوبا والجزر والجزيرات المتاخمة التي كانت تخضع معها لسيادة إسبانيا حتى لحظة المصادقة على معاهدة باريس في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1898".

بعد صياغة الدستور حلّت لحظة تحديد طبيعة العلاقات السياسية بين كوبا والولايات المتحدة. وعلى الأثر، تم في الثاني عشر من شباط/فبراير 1901 تعيين لجنة مكوّنة من خمسة أعضاء مكلفة دراسة واقتراح ما يلزم لتحقيق الغاية المنشودة.

في الخامس عشر من شباط/فبراير دعا الحاكم وود أعضاء اللجنة إلى رحلة صيد أسماك وأقام لهم وليمة في باتابانوه، المعبر الرئيسي للوصول إلى ما تُعرف بجزيرة بينوس، المحتلة آنذاك من قبل القوات الأمريكية التي تدخلت في حرب الاستقلال الكوبية. وفي باتابانوه نفسها أعلن لهم عن رسالة من وزير الحرب، إيليهو روت، تحتوي على الجوانب الأساسية من "تعديل بلات" المستقبلي. واستناداً إلى التعليمات الواردة من واشنطن، فإن العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة يجب أن تحتكم إلى جوانب عدة. الجانب الخامس منها تمثل في أنه من أجل تمهيد الطريق أمام الولايات المتحدة للقيام بواجبات كتلك التي تقع على كاهلها بموجب النصوص المذكورة، ومن أجل دفاعها الذاتي، بوسع الولايات المتحدة شراء وحفظ ملكية أراضي لإقامة محطات بحرية والمحافظة على هذه المحطات في بعض النقاط المحددة.

عند معرفة المؤتمر التأسيسي الكوبي بالشروط الموضوعة من قبل حكومة الولايات المتحدة، أقرّ في السابع والعشرين من شباط/فبراير 1901 موقفاً يتعارض مع موقف الحكومة الأمريكية، شُطب منه موضوع إقامة محطات بحرية.

اتفقت حكومة الولايات المتحدة مع السيناتور الجمهوري عن كونيكتيكوت، أورفيل هـ. بلات، على عرض تعديل على مشروع قانون موازنة الجيش يحوّل أمر إقامة قواعد بحرية في الأراضي الكوبية إلى أمر واقع.

في هذا التعديل الذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي في 27 شباط/فبراير 1901 ومجلس النواب في الأول من آذار/مارس وصادق عليه الرئيس ماك كينلي في اليوم التالي، كملحق "بقانون منح اعتمادات للجيش في العام المالي الذي ينتهي في الثلاثين من حزيران/يونيو 1902"، أصبحت صياغة المادة المتعلقة بالقواعد البحرية على النحو التالي:

"المادة السابعة.- في سبيل توفير الشروط للولايات المتحدة لكي تحافظ على استقلال كوبا وحماية شعبها، وكذلك من أجل دفاعها الذاتي، ستبيع حكومة كوبا أو تؤجّر للولايات المتحدة ما يلزم من الأراضي لمحطات تزويد بالفحم أو محطات بحرية في بعض النقاط المحددة تتفق عليها مع رئيس الولايات المتحدة".

وتضيف المادة السابعة: "تُدرج حكومة كوبا الأحكام سالفة الذكر في معاهدة دائمة مع الولايات المتحدة".

إقرار التعديل من قبل كونغرس الولايات المتحدة على وجه من السرعة يعود إلى تواجد هذا المجلس على عتبة إنهاء فترته التشريعية وتمتع الرئيس ماك كينلي بأغلبية مضمونة في كلا المجلسين من أجل إقراره بدون صعوبات. وحين تولى ماك كينلي مقاليد عهده الرئاسي الثاني في الرابع من آذار/مارس كان هذا التعديل قد تحول إلى قانون أمريكي.

بقي بعض أعضاء المؤتمر التأسيسي على طرحهم بأنهم ليسوا مخوَّلين لإقرار التعديل الذي تطلبه الولايات المتحدة، إذ أنه يترتب عن ذلك تقييد استقلال وسيادة جمهورية كوبا. حينذاك سارع الحاكم العسكري ليونارد وود إلى إصدار مرسوم عسكري جديد في الثاني عشر من آذار/مارس 1901 يعلن فيه بأن للمؤتمر صلاحيات للاتفاق على إجراءات كانت هناك شكوك حول دستوريتها.

أعضاء آخرون للمؤتمر، مثل مانويل سانغيلي، رأوا أنه يجب حل الجمعية قبل أن تقر إجراءات مهينة لكرامة وسيادة الشعب الكوبي. ولكن في جلسة السابع من آذار/مارس 1901 تم من جديد تعيين لجنة لصياغة رد على الحاكم وود، ووقع طرحُها على كاهل خوان غوالبيرتو غوميز، الذي نصح برفض البند المتعلق بتأجير المحطات البحرية أو المزوِّدة بالوقود وغيره من البنود.

حافظ خوان غوالبيرتو غوميز على أشد انتقاد "لتعديل بلات". وفي الأول من نيسان/أبريل أخضعت للنقاش أطروحةٌ تطعن بالوثيقة لمخالفتها مبادئ معاهدة باريس ومبادئ القرار المشترك. ولكن المؤتمر ألغى المداولة حول أطروحة خوان غوالبيرتو غوميز وقرر إرسال لجنة أخرى للاطلاع على "رؤى وأهداف حكومة الولايات المتحدة بشأن كل ما له صلة بوضع صيغة نهائية للعلاقات، من الناحية السياسية ومن الناحية الاقتصادية، بين كوبا والولايات المتحدة، والسعي لدى الحكومة نفسها لوضع أسس لاتفاق حول هذه المسائل من أجل طرحها على المؤتمر في سبيل إقرارها نهائياً".

في وقت لاحق تم انتخاب اللجنة التي ستتوجه إلى واشنطن وتكونت من كل من دومينغو مينديز كابوتي، دييغو تامايو، بيدرو غونزاليز جرينتي، رافائيل بورتوندو تامايو، بيدرو بيتانكور، الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة في الرابع والعشرين من نيسان/أبريل 1901؛ وفي اليوم التالي تم استقبالهم من قبل كل من روت ووود، الذي كان قد توجه إلى بلده مسبقاً لهذه الغاية.

سارعت الحكومة الأمريكية إلى التصريح علناً بأن اللجنة تزور واشنطن بمبادرة خاصة، من دون أي دعوة وبلا صفة رسمية.

وزير الحرب، روت، استقبل اللجنة يومي 25 و26 نيسان/أبريل 1901 وأعلم أعضائها بأن "حق الولايات المتحدة بفرض بنود تمت مناقشتها هو حق أعلنته على مدار ثلاثة أرباع القرن من الزمن على وجه العالم الأمريكي والأوروبي، وأنها ليست مستعدة للتخلي عنه لدرجة تعريض أمنها نفسه للخطر".

وأكد المسؤولان الأمريكيان بأن أي من بنود "تعديل بلات" لا ينتقص من سيادة واستقلال كوبا وإنما، على العكس من ذلك، إنه يصونهما، وأوضحا بأنه لن يكون هناك تدخل إلا في حال حدوث اضطرابات، ولن يكون لهذا التدخل هدفاً آخر غير المحافظة على النظام والسلام الداخلي.

قدّمت اللجنة تقريرها في جلسة سرية انعقدت في السابع من أيار/مايو 1901. وظهرت داخل اللجنة خلافات حادة حول "تعديل بلات".

في 28 أيار/مايو أُخضعت للنقاش أطروحة قام بصياغتها كل من فيلوينديس وتامايو وكيسادا وهي أطروحة تقبل بالتعديل مصحوباً ببعض الإيضاحات وتوصي بالتوصل إلى اتفاق تجاري للمعاملة بالمثل.

هذه الأطروحة تم إقرارها بأغلبية 15 صوتاً مقابل 14؛ ولكن حكومة الولايات المتحدة لم تكن تعترف بهذا الحل، وأبلغت من خلال حاكمها وود بأنها لا ترضى بالتعديل إلا كما هو، ونبهت المؤتمر على شكل إنذار بأنه باعتبار "قانون برت" هو "قانون أقرته السلطة التشريعية للولايات المتحدة فإن الرئيس ملزم بتنفيذه على ما هو عليه. لا يمكنه تغييره ولا تعديله أو أن يضيف إليه أو أن يشطب منه. التحرك الحكومي الذي يطلبه قانون التعديل هو سحب الجيش الأمريكي من كوبا، ويسمح القانون بهذا التحرك حصراً حين تكون قد قامت حكومة في ظل دستور يحتوي في نصه أو في ملحقاته على أحكام محددة حاسمة مذكورة في القانون [...] إذا وجدت الحكومة هذه الأحكام في الدستور، تكون مخوّلة آنذاك لسحب الجيش؛ وإذا لم تجدها فيه، فإنها غير مخوّلة لسحب الجيش...".

وزير الحرب الأمريكي بعث برسالة إلى الجمعية الدستورية الكوبية يعبّر فيها عن وجوب إقرار "تعديل بلات" بالكامل ومن دون أي توضيح، إذ أنه هكذا ظهر في قانون الموازنة الأمريكي؛ وأشار إلى أنه خلافاً لذلك لن يتم سحب القوات العسكرية الأمريكية من كوبا.

في الثاني عشر من حزيران/يونيو 1901، في جلسة سرية أخرى للجمعية التأسيسية، جرى التصويت على ضم "تعديل بلات" كملحق بدستور الجمهورية الذي تم إقراره في 21 شباط/فبراير: صوت 16 مندوب لصالح الاقتراح، وصوت ضده 11. تغيب عن الجلسة كل من برافو كوريوسو وروباو وخينير وريوس ريفيرا، ليمتنعا على هذا النحو عن التصويت لصالح ذلك المسخ.

أسوأ ما في التعديل هو النفاق والخداع والماكيافيلية والدناءة التي تم بها إعداد خطة الاستيلاء على كوبا، لدرجة الإعلان جهراً عن ذات الحجج المستخدمة من قبل جون كينسي آدامز عام 1823 حول سقوط التفاحة بفعل الجاذبية. هذه التفاحة سقطت في نهاية الأمر، ولكنها كانت متعفّنة، وهو ما تكهن به مفكرون كوبيون كثيرون على مدار نصف قرن من الزمن، بدءاً من خوسيه مارتيه في عقد 1880 وحتى خوليو أنتونيو ميجا، الذي اغتيل في شهر كانون الثاني/يناير من عام 1929.

لا يمكن لأحد أن يكتب عما كان يعنيه "تعديل بلات" بالنسبة لكوبا أفضل مما كتبه ليونارد وود نفسه في فقرتين من الرسالة السريّة، المؤرخة في 28 تشرين الأول/أكتوبر 1901، لرفيقه في المغامرات تيودور روزفلت:

"عبر ‘تعديل بلات‘ لم يُترَك لكوبا طبعاً إلا القليل أو لا شيء من الاستقلال، الأمر الوحيد الذي يُنصَح به الآن هو السعي لضمها. غير أن هذا يحتاج لبعض الوقت، وخلال الفترة التي ستتمتع فيها كوبا بحكومة خاصة بها، يفضَّل أن تكون لديها واحدة تقودها نحو التقدم والتحسن. لا يمكنها أن تبرم اتفاقات معينة من دون موافقتنا ولا أن تطلب من القروض ما يتجاوز حدوداً تأملات

الجزء الثاني: تطبيق "تعديل بلات" وإقامة قاعدة غوانتانامو البحرية كإطار للعلاقات بين كوبا والولايات المتحدة.

في نهايات عام 1901 بدأت العملية الانتخابية التي حقق فيها المرشح توماس إسترادا بالما نصره بدون منافسين وحظي فيها بدعم 47 بالمائة من أصوات الناخبين. الرئيس الذي تم انتخابه غيابياً غادر الولايات المتحدة متوجهاً إلى كوبا في 17 نيسان/أبريل 1902 ووصل إليها بعد ذلك بثلاثة أيام.

جرى نقل السلطة في العشرين من أيار/مايو 1902 في الساعة الثانية عشر نهاراً. كان كونغرس الجمهورية آنذاك قد تأسس. ليونارد وود غادر متوجهاً إلى بلده على متن البارجة "بروكلين".

في عام 1902، قبيل إعلان الجمهورية، أبلغت الحكومة الأمريكية رئيس الجزيرة المنتخب حديثاً عن الأماكن الأربعة التي تم اختيارها لإقامة المحطات البحرية –سيينفويغوس، باهيّا هوندا، غوانتانامو، نيبي- المذكورة في "تعديل بلات". كما تم اعتبار مرفأ هافانا، ولا أقل من ذلك، بأنه المكان الأنفع لإقامة المحطة البحرية الرابعة".

منذ البداية، ورغم افتعال نشوئها، اعترضت حكومة كوبا –التي كان يشارك فيها كثيرون من المناضلين من أجل الاستقلال- على منح أربع محطات بحرية، إذ رأت بأن اثنتين هما أكثر من كافيتين. بات الوضع أكثر توتراً مع تشدد الحكومة الكوبية في موقفها ومطالبتها بإعداد "اتفاق العلاقات الدائم" النهائية، وذلك لكي "تحدد في ذات الوقت، وليس على أجزاء، جميع النقاط التي تمحور "تعديل بلات" حولها ولتثبيت أبعاد نصوصه".

كان الرئيس ماك كينلي قد توفي في الرابع عشر من أيلول/سبتمبر 1901 متأثرا بأعيرة نارية أطلقت عليه في السادس من ذلك الشهر. تيودور روزفلت كان قد بلغ من الصعود في حياته السياسية درجة شغله لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة وعليه فقد تولّى الرئاسة على أثر الأعيرة النارية القاتلة التي تلقّاها سلفه. لم يكن ملائماً بالنسبة لروزفلت تحديد بُعد "تعديل بلات"، وذلك لكي لا يؤخّر إقامة قاعدة غوانتانامو عسكرياً، نظراً لما تعنيه هذه بالنسبة للدفاع عن القناة –التي بدأت فرنسا ببنائها في أمريكا الوسطى ثم تخلت عنها- والتي كانت الحكومة الإمبريالية النهمة تزمع إنجازها مهما كلّف الثمن.

في وقت لاحق، وتنفيذاً للمادة السابعة من الملحق الدستوري المفروض على المؤتمر التأسيسي، جرى توقيع الاتفاق من قبل كل من رئيس كوبا في السادس عشر من شباط/فبراير 1903 ورئيس الولايات المتحدة في الثالث والعشرين منه:

"المادة الأولى: عبر هذه الوثيقة، تؤجر جمهورية كوبا للولايات المتحدة، للمدة التي تحتاجها وبهدف إقامة محطات للتزويد بالفحم أو بحرية فيها، المساحات المذكورة تباعاً من الأراضي والمياه الواقعة في جزيرة كوبا:

"1. في غوانتانامو..." (يظهر وصف كامل للخليج وللأراضي المتاخمة)

"2. في باهيّا هوندا..." (يظهر وصف مماثل)

وينص ذلك الاتفاق على:

"المادة الثالثة.- مع أن الولايات المتحدة تعترف من جهتها باستمرار السيادة النهائية لجمهورية كوبا على المساحات اليابسة والمائية التي يرد وصفها سابقاً، وجمهورية كوبا تدرك من جهتها بأن تمارس الولايات المتحدة سلطتها القانونية وسيادتها الكاملة على المساحات المذكورة خلال الفترة التي تشغل فيها تلك المساحات وفقاًَ لنصوص هذا الاتفاق، مع حقها بتملك أي عقار أو مساحة أخرى تقع فيها لتحقيق الغايات العامة للولايات المتحدة، وذلك عبر شرائها أو مصادرتها بالقوة مع دفع تعويض كامل لمالكيها".

في الثامن والعشرين من أيار/مايو 1903 بدأت أعمال القياس من أجل تحديد أطراف محطة غوانتانامو البحرية.

في إطار اتفاق الثاني من تموز/يوليو 1903 حول هذا الشأن تم إقرار "قانون تأجير المحطات البحرية ومحطات التزويد بالفحم".

"المادة الأولى.- تقرر الولايات المتحدة الأمريكية وتلتزم بدفع مبلغاً سنوياً لجمهورية كوبا قدره ألفا بيسو بالعملة الأمريكية من الذهب خلال المدة التي تشغل وتستخدم بها هذه المساحات من الأراضي بموجب الاتفاق المذكور".

جميع الأراضي العائدة لملكية خاصّة وغيرها من العقارات الواقعة ضمن تلك المساحات ستقوم جمهورية كوبا بشرائها بدون تخلّف. وتلتزم الولايات المتحدة بأن تدفع لجمهورية كوبا المبالغ الضرورية لشراء هذه الأراضي والأملاك ذات الملكية الخاصة، وستقبل جمهورية كوبا هذه المبالغ بصفتها تسديداً مسبقاً من حساب التأجير بموجب هذا الاتفاق".

الاتفاق الذي حكم هذا الإيجار، والذي وقّعه في هافانا ممثلون عن الرئيسين الكوبي والأمريكي، وافق عليه مجلس الشيوخ الكوبي في السادس عشر من تموز/يوليو 1903 وصادق عليه كل من الرئيس الكوبي بعد ذلك بشهر واحد، في 16 آب/أغسطس، والرئيس الأمريكي في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر وجرى في السادس من تشرين الأول/أكتوبر في واشنطن تبادل الوثائق الوثيقتين المصادَق عليهما، ونُشر في الجريدة الرسمية الكوبية في الثاني عشر من ذات الشهر والسنة.

في الرابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 1903 أُبلغ أنه قد تم قبل أربعة أيام من ذلك، في العاشر منه، تسليم الولايات المتحدة المساحات المائية والأرضية لإقامة محطة غوانتانامو البحرية.

كان تسليم جزء من أراضي كبرى جزر الأنتيل دافعاً للبهجة بالنسبة لحكومة وبحرية الولايات المتحدة وسعت للاحتفال به. ولهذه الغاية تواجد في هافانا الأسطول الكاريبي وبعض البوارج التابعة لأسطول شمال الأطلسي.

الحكومة الكوبية عيّنت رئيس الأعمال العامة في سنتياغو دي كوبا ليقوم بتسليم ذلك الجزء من الأراضي التي كانت تمارس سيادتها عليها نظرياً في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1903، وهو موعد اختارته الولايات المتحدة. ربما كان الكوبي الوحيد الذي حضر المراسم ولوقت قصير، ذلك أنه بعد قيامه بمهمته، بدون نخب ولا معانقات، غادر إلى بلدة كايمانيرا المجاوِرة.

كان رئيس الأعمال العامة قد انتقل إلى البارجة "كيرسيج"، وهي سفينة القيادة الأمريكية، وكان يتواجد على متنها العميد البحري باركر. في الساعة 12:00 أُطلق 21 عياراً مدفعياً، وعلى أنغام النشيد الوطني الكوبي أُنزل العلم الكوبي الذي كان مرفوعاً في تلك القطعة البحرية، ورُفع علم الولايات المتحدة على الفور على اليابسة، عند النقطة المسماة بلاجا ديل إيستي (الشاطئ الشرقي)، مع إطلاق ذات العدد من الأعيرة، وبذلك انتهى الاحتفال.

حسب قانون الاتفاق، ينبغي على الولايات المتحدة أن تخصص تلك الأراضي للاستخدام العام حصراً، ولا تستطيع أن تقيم فيها مراكز تجارية أو صناعية من أي نوع كان.

تم ضرب التزام متبادل بين سلطات الولايات المتحدة في تلك الأراضي وبين السلطات الكوبية، على أن يسلم كل طرف للطرف الآخر الفارّين من العدالة من البلد الآخر لارتكابهم جرائم أو جنايات بانتظار حكم العدالة حالما طلبت ذلك سلطات البلد التي تقوم بمحاكمته.

المواد المستوردة في أراضي المحطات المذكورة من أجل استخدام واستهلاك تلك المحطات تكون معفية من دفع الضرائب الجمركية أو من أي نوع آخر لجمهورية كوبا.

وشمل تأجير المحطات البحرية المذكورة الحق باستخدام وشغل المياه المتاخمة لتلك المساحات من الأرض والمياه، وبتحسين وتعميق مداخلها ومراسيها، وكل ما يلزم من أجل الاستخدام الحصري المخصصة له.

مع أن الولايات المتحدة كانت تعترف باستمرار السيادة النهائية لكوبا على تلك المساحات من المياه واليابسة، فإنها كانت تمارس، وبموافقة كوبا، "سلطتها القانونية وسيادتها الكاملة" على تلك المساحات ما دامت تشغلها وفقاً للالتزامات الأخرى المذكورة سابقاً.

في ما يسمى "الاتفاق الدائم" الموقع في 22 أيار/مايو 1903 بين حكومتي جمهورية كوبا والولايات المتحدة، كان قد تم تحديد العلاقات المستقبلية بين البلدين: أي، تم ضمان ما أسماه مانويل ماركيز ستيرلينغ "الخضوع الذي لا يمكن تحمّله ‘لتعديل بلات‘".

"الاتفاق الدائم الموقع بين البلدين وافق عليه مجلس شيوخ الولايات المتحدة في 22 آذار/مارس 1904 ومجلس الشيوخ الكوبي في 8 حزيران/يونيو من تلك السنة، وجرى تبادل المصادقتين في واشنطن في الأول من تموز/يوليو 1904. ولهذا فإن "تعديل بلات" هو تعديل لقانون أمريكي وملحق بالدستور الكوبي لعام 1901 واتفاق دائم بين البلدين.

الخبرة المكتسبة من قاعدة غوانتانامو البحرية نفعت لتطبيق إجراءات مماثلة أو أسوأ في بنما بالنسبة للقناة.

أسلوب إدخال التعديلات في الكونغرس الأمريكي حين تتم مناقشة موضوع غير قابل للتأجيل بالنظر إلى مضمونه وأهميته، هو أسلوب يجري استخدامه بشكل متكرر عاد، مما يجبر المشرّعين على غض الطرف عن وجهات نظرف مختلفة أو التضحية بهذه الآراء. مثل هذه التعديلات لدغت في أكثر من مناسبة السيادة التي يناضل شعبنا من أجلها بلا كلل.

في عام 1912 تفاوض وزير الخارجية الكوبي مع وزارة الخارجية الأمريكية على اتفاق جديد تتخلى الولايات المتحدة بموجبه عن حقوقها بباهيّا هوندا مقابل عملية توسيع لحدود محطة غوانتانامو.

في تلك السنة، حيث وقع تمرد حزب الاستقلال الملوَّن، الذي قامت حكومة الرئيس خوسيه ميغيل غوميز –من الحزب الليبرالي- بقمعه على نحو همجي، خرجت من قاعدة غوانتانامو البحرية قوات أمريكية واحتلت عدة بلدات من محافظة أوريينتي سابقاً قريبة من مدينتي غوانتانامو وسنتياغو دي كوبا، وذلك بحجة "حماية أرواح ومزارع مواطنين أمريكيين".

في عام 1917، بمناسبة التمرد المعرف باسم "لا تشامبيلومنا" في أوريينتي، والذي قام به عناصر من الحزب الليبرالي اعتراضاً منهم على التزوير الانتخابي الذي أدى لإعادة انتخاب الرئيس ماريو غارسيا مينوكال، من الحزب المحافظ، خرجت فصائل يانكية من القاعدة وتوجهت إلى نقاط مختلفة من تلك المحافظة الكوبية، واستخدمت كذريعة لذلك "حماية تزوّد القاعدة بالمياه".

الجزء الثالث: الإلغاء الشكلي "لتعديل بلات" والمحافظة على قاعدة غوانتانامو البحرية.

في عام 1933 أفسح وصول إدارة فرانكلين روزفلت الديمقراطية إلى السلطة في المجال أمام عملية إعادة ترتيب ضرورية لعلاقات الهيمنة التي كان يمارسها ذلك البلد على كوبا. سقوط دكتاتورية خيراردو ماتشادو في ظل ضغط حركة شعبية قوية، ومن ثم قيام حكومة مؤقتة برئاسة الأستاذ الجامعي في علم الفسيولوجيا، رامون غراو سان مارتين، شكلا عثرتين كبيرتين أمام تحقيق البرنامج الذي كان الشعب يطالب به.

في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1933 أصدر الرئيس الأمريكي روزفلت بياناً رسمياً شجّع فيه تآمر باتيستا والسفير الأمريكي لدى هافانا، سومنير ويليسن، على حكومة غراو، وشمل بيانه عرضاً بتوقيع اتفاق تجاري جديد وإلغاء "تعديل بلات". وشرح روزفلت بأن "... أي حكومة مؤقتة يبدي الشعب الكوبي ثقته فيها ستجد ترحيباً منا". توق الإدارة الأمريكية للتخلص من غراو كان آخذاً بالازدياد، ذلك أنه، ومنذ واسط شهر تشرين الثاني/نوفمبر، اشتد نفوذ مناضل شاب معادي للإمبريالية، وهو أنتونيو غيتيراس، داخل الحكومة، وهي حكومة قامت في الأسابيع اللاحقة بالكثير من خطواتها الأشد راديكالية. كان لا بد من الإطاحة بتلك الحكومة على وجه السرعة.

في الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر 1933 عاد السفير سومنير ويليس إلى واشنطن نهائياً، وتم استبداله بعد ذلك بخمسة أيام بجيفرسون كافيري.

خلال يوم 13 و14 كانون الثاني/يناير 1934 دعا باتيستا وترأس اجتماعاً في كولومبيا اقترح فيه استبدال غراو وتعيين العقيد كارلوس ميندييتا ومونتيفور، وهو أمر اتفقت عليه ما تسمى هيئة كولومبيا العسكرية. قدّم غراو سان مارتين استقالته فجر الخامس عشر من كانون الثاني/يناير 1934 وأبحر إلى المكسيك، منفياً، في العشرين من ذات الشهر. حينذاك، حلّ ميندييتا كرئيس عبر انقلاب حكومي في الثامن عشر من كانون الثاني/يناير 1934. ومع أن إدارة ميندييتا حظيت باعتراف الولايات المتحدة في الثالث والعشرين من كانون الثاني/يناير من تلك السنة، الحقيقة أن السفير كافيري وباتيستا كانا يديران دفّة الأمور في البلاد، كما هو معروف.

الإطاحة بحكومة غراو سان مارتين المؤقتة في شهر كانون الثاني/يناير 1934، التي ذهبت ضحية تناقضاتها الداخلية وضحية ترسانة الضغوط والمناورات والاعتداءات التي شنتها عليها الإمبريالية وحلفائها المحليون، عنت خطوة أولى وضرورية نحو فرض خيار أوليغارشي-إمبريالي كمخرج من الأزمة الوطنية الكوبية.

وقع على كاهل الحكومة التي ترأسها ميندييتا مهمة إعادة ترتيب علاقات التبعية النيوكولونيالية للبلاد.

لا الأوليغارشية التي أعيد تنصيبها في السلطة ولا حكومة واشنطن كانتا في ظروف تسمح في ظروف تسمح لهما بتجاهل شعور الشعب الكوبي تجاه النيوكولونيالية وأدواتها. لم تكن الولايات المتحدة تجهل أيضاً أهمية دعم حكومات أمريكا اللاتينية –ومن بينها كوبا- للمواجهة التي كانت قد أصبحت آنذاك متوقَّعة مع قوى إمبريالية أخرى ناشئة مثل ألمانيا واليابان.

في تلك العملية التي كانت في بدايتها آنذاك، احتاج الأمر لهيكلة صيغ لضمان العمل المتجدد للنظام النيوكولونيالي. سياسة "حسن الجوار" كانت تأخذ تماماً بعين الاعتبار المعارضة الأمريكية اللاتينية لنزعة التدخل المفتوح التي كانت واشنطن قد مارستها في النصف الغربي من العالم. وكان من أهداف سياسة روزفلت التمكن من إعطاء صورة جديدة لعلاقاته القارية من خلال الصيغة الدبلوماسية "حسن الجوار".

كواحد من إجراءات إعادة الترتيب، تم في التاسع والعشرين من أيار/مايو 1934 توقيع اتفاق جديد للعلاقات الكوبية-الأمريكية، في تعديل للاتفاق الموقَّع في 22 أيار/مايو 1903، وقد وقّعه روزفلت آخر، ربما كان على علاقة قربى بعيدة، يختلف عن روزفلت "الفرسان القساة" الذي أنزل في كوبا.

قبل يومين من ذلك، في السابع والعشرين من أيار/مايو في الساعة العاشرة والنصف صباحاً، وفي اللحظات التي كان سفير الولايات المتحدة، جيفرسون كافيري، يستعد فيها للمغادرة، كالعادة، تعرض مقر إقامته في ألتوراس دي ألمينداريس (مرتفعات نهر ألمينداريس) لإطلاق ثلاثة أعيرة نارية من قبل عدة أشخاص مجهولين من سيارة. وفي اليوم التالي، 28 أيار/مايو، عند منتصف النهار، أثناء مرور السيارة الموضوعة بخدمة السكرتير الأول لسفارة الولايات المتحدة، هـ. فريمان ماثيوس، بالجادة الخامسة، في طريق عودتها بعدما تركت الدبلوماسي في مقر السفارة، تعرضت لهجوم عدة أفراد مسلحين برشاشات كانوا في سيارة أخرى. توجّه أحدهم إلى السائق وقال له أن يبلغ ماثيوس بأنه يمهله أسبوعاً واحداً لكي يغادر كوبا؛ وقام تباعاً بتوجه ضربة لزجاج السيارة وكسره ثم اختفوا جميعهم بسرعة البرق.

هذه الأعمال أظهرت شعوراً عاماً بالعداء للولايات المتحدة، وربما أنها عجّلت في توقيع اتفاق العلاقات الجديد، الذي طرح ما زُعم بأنها نهاية "تعديل بلات" المبغوض شعبياً.

نص الاتفاق العلاقات الجديد على إلغاء حق الولايات المتحدة بالتدخل في كوبا، وأنه:

"بدافع بالرغبة لديهما في تطوير علاقات الصداقة بين البلدين، وتعديل العلاقات القائمة بينهما استناداً إلى اتفاق العلاقات الموقع في هافانا في 22 أيار/مايو 1903 لتحقيق هذه الرغبة، (...) اتفقت جمهورية كوبا والولايات المتحدة الأمريكية على المواد التالية:

[...]

المادة الثالثة.- ما لم يتفق الطرفان المتعاقدان على تعديل أو إلغاء ما ينص عليه الاتفاق الموقّع من قبل كل من رئيس جمهورية كوبا في السادس عشر من شباط/فبراير 1903 ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية في الثالث والعشرين من ذات الشهر والسنة، حول استئجار الولايات المتحدة الأمريكية لأراضٍ في كوبا لإقامة محطات تزويد بالفحم أو محطات بحرية، تبقى على حالها النصوص الواردة في ذلك الاتفاق بشأن محطة غوانتانامو البحرية. وفيما يتعلق بهذه القاعدة، يبقى ساري المفعول أيضاً، بذات الأشكال والشروط، الترتيب الإضافي المتعلق بالمحطات البحرية، والذي اتفقت عليه الحكومتان في الثاني من تموز/يوليو 1903. ما لم تغادر الولايات المتحدة الأمريكية محطة غوانتانامو البحرية المذكورة، أو ما لم تتفق الحكومتان على تعديل حدودها الراهنة، تواصل شغل ذات المساحة التي تشغلها الآن، بحدودها القائمة في تاريخ توقيع هذا الاتفاق".

صادق مجلس شيوخ الولايات المتحدة على اتفاق العلاقات الجديد في الأول من حزيران/يونيو 1934، وكوبا في الرابع من حزيران/يونيو. بعد ذلك بخمسة أيام، في التاسع من حزيران/يونيو، تم في واشنطن تبادل الوثائق المصادَق عليها من اتفاق العلاقات العائد إلى 29 أيار/مايو من تلك السنة، وبذلك اندثر "تعديل بلات" شكلياً، ولكن قاعدة غوانتانامو البحرية بقيت.

الاتفاق الجديد أعطى صفة قانونية لحالة الأمر الواقع التي كانت محطة غوانتانامو البحرية عليها، ولذلك فإن ما تم هو إلغاء الجزء من اتفاقات السادس عشر والثالث والعشرين من شباط/فبراير والثاني من تموز/يوليو 1903 بين البلدين المتعلق بأراضي مياه باهيّا هوندا، وعُدل الجزء المتعلق بمياه وأراضي محطة غوانتانامو البحرية باتجاه توسيعها.

لقد حافظت الولايات المتحدة على محطة غوانتانامو البحرية كموقع إستراتيجي للمراقبة وكمتّسع مائي، من أجل ضمان هيمنتها السياسية والاقتصادية على جزر الأنتيل وأمريكا الوسطى وللدفاع عن قناة بنما.

معينة، ومن واجبها الإبقاء على الشروط الصحيّة التي حُدِّدت لها، وكل هذا يدلّ بوضوح على أنها بين أيدينا على نحو مطلق، ولا أظن أن حكومة أوروبية ستنظر إليها للحظة واحدة خلافاً لما هي عليه، تبعية كاملة للولايات المتحدة، وبهذه الصفة هي تستحق اعتبارنا". "... مع السيطرة التي سرعان ما ستتحول إلى ملكيّة، سنسيطر خلال وقت قصير عملياً على تجارة السكر في العالم. الجزيرة ستتأمرك تدريجياً، وفي اللحظة المناسبة، سنتمتع بواحدة من أغنى وأشهى الممتلكات في العالم".

الجزء الرابع: قاعدة غوانتانامو البحرية منذ الإلغاء الشكلي "لتعديل بلات" حتى انتصار الثورة.

بعد توقيع "اتفاق العلاقات" عام 1934 تم الأخذ بتحصين "محطة غوانتانامو" وتكييفها شيئاً فشيئاً إلى أن أصبحت في ربيع عام 1941 على ما هي عليه كقاعدة بحريّة للعمليات في ظل الهيكل التالي: محطة بحرية، محطة بحرية جوية وقاعدة لسلك مشاة البحارة ومستودعات.

كان مجلس شيوخ الولايات المتحدة قد أقر في السادس من حزيران/يونيو 1934 قانوناً يسمح من خلاله لوزارة البحرية بتوقيع عقد بعيد المدى مع شركة تلتزم بتزويد قاعدة غوانتانامو البحرية بالمياه على نحو ملائم، ولكن قبل ذلك كانت توجد مشاريع أمريكية لبناء أنبوب يزودها بالمياه من نهر جاتيراس.

عملية التوسع تواصلت، وفي عام 1943 تم بناء منشآت أخرى عبر التعاقد مع شركة "ريديك سنير كومباني" (Frederick Snare Co.)، التي وظَّفت نحو 9000 عامل، كثيرون منهم من الكوبيين.

عام 1951 هو عام آخر شهد نشاطاً حثيثاً في توسيع المنشآت العسكرية والمدنية للقاعدة. وفي عام 1952 قررت وزارة البحرية الأمريكية تغيير الاسم من "U.S. Naval Operating Base" إلى "U.S. Naval Base"، وفي ذلك الحين كانت قد أصبحت تتمتع بهيكل يشمل مركز التدريب.

دستور عام 1940 والكفاح الثوري وقاعدة غوانتانامو البحرية حتى شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 1958.

تميزت الفترة الممتدة بين نهايات عام 1937 وعام 1940، من الناحية السياسية، باتخاذ إجراءات سمحت بالدعوة لانتخابات الجمعية الدستورية وإنجازها. سبب موافقة باتيستا على هذه الإجراءات الديمقراطية تمثل باهتمامه بوضع صيغ تدريجية تسمح له بالبقاء في محور المناقشات السياسية، وبذلك يضمن استمرار سلطته في إطار عملية التنظيم الجديدة في ظل الصيغ التي أوعز بها هو. في بدايات عام 1938 نُشر نص الاتفاق بين باتيستا وغراو سان مارتين لإقامة جمعية دستورية. وافتُتح المؤتمر التأسيسي في التاسع من شباط/فبراير 1940 وأنهى أعماله في الثامن من حزيران/يونيو من السنة نفسها.

جرى توقيع الدستور في الأول من تموز/يوليو 1940 وصدر في الخامس من ذلك الشهر. ونص قانون القوانين الجديد على أن "أراضي جمهورية كوبا تتكون من جزيرة كوبا وجزيرة بينوس وباقي الجزر والجزيرات المتاخمة التي كانت تخضع معها لسيادة إسبانيا حتى موعد المصادقة على معاهدة باريس في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1898. لن توافق جمهورية كوبا ولن تصادق على معاهدات أو اتفاقيات تحد أو تنتقص بأي شكل من الأشكال من السيادة الوطنية ومن وحدة وسلامة أراضيها".

بذلت الأوليغارشية جهوداً حثيثة لمنع تحقيق المبادئ الأكثر تقدماً من الدستور أو، على الأقل، تقييد تطبيقها أقصى ما يمكن.

الجزء الخامس: قاعدة غوانتانامو البحرية منذ انتصار الثورة وحتى اليوم.

منذ أن انتصرت الثورة والحكومة الثورية تشجب الاحتلال غير المشروع لهذا الجزء من أراضينا.

من ناحية أخرى، اعتباراً من الأول من كانون الثاني/يناير 1959 حوّلت الولايات المتحدة أراضي قاعدة غوانتانامو البحرية المغتصَبة إلى بؤرة دائمة للتهديد والاستفزاز ولانتهاك سيادة كوبا، وذلك بغية خلق الصعوبات أمام العملية الثورية الظافرة. طالما كانت هذه القاعدة حاضرة في المخططات والعمليات التي وضعتها واشنطن للإطاحة بالحكومة الثورية.

لقد شكلت القاعدة البحرية مصدراً لكل نوع من أنواع العدوان:

إلقاء طائرات قادمة من القاعدة مواداً قابلة للاشتعال على الأراضي الحرة.

استفزازات من قبل جنود أمريكيين، بما في ذلك إطلاق شتائم وإلقاء حجارة وعلب مواد قابلة للاشتعال وأعيرة نارية من مسدسات وأسلحة أوتوماتيكية.

انتهاك المياه الإقليمية الكوبية وحرمة الأراضي الكوبية من قبل قطع بحرية وطائرات عسكرية أمريكية قادمة من القاعدة.

إعداد خطط اعتداء ذاتي داخل القاعدة للتسبب بصراع مسلح واسع النطاق بين كوبا والولايات المتحدة.

تسجيل الترددات الإذاعية المستخدمة من قبل القاعدة في السجل الدولي للترددات ضمن المجال المخصَّص لكوبا.

في الثاني عشر من كانون الثاني/يناير 1961 تم تعذيب العامل مانويل برييتو غوميز، الذي كان يعمل هناك منذ ثلاث سنوات، على نحو همجي من قبل جنود يانكيين في قاعدة غوانتانامو البحرية "لجريمته" بأنه ثوري.

في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر من تلك السنة تم تعذيب ثم قتل العامل الكوبي روبين لوبيز سابارييغو.

في الرابع والعشرين من حزيران/يونيو 1962 قتل الجنود الأمريكيون في القاعدة الصياد ابن كايمانيرا رودولفو روسيل سالاس.

كما أن النية المبيّتة لافتعال استفزاز ونشر القوات الأمريكية في غزو تأديبي "مبرَّر" لكوبا، طالما كان صمام انفجارها قاعدة غوانتانامو. أحد الأمثلة على ذلك نجده في إحدى العمليات المدرجة ضمن ما تسمّى "عملية مانغوستا"، حيت تعيّن على الجنود الأمريكيين المرابطين في غوانتانامو إطلاق النار على طاقم الحراسة الكوبي في الثالث من أيلول/سبتمبر 1962.

خلال أزمة تشرين الأول/أكتوبر [أزمة الصواريخ] تم تعزيز القاعدة بتقنية عسكرية وقوات، ليرتفع عدد عناصر هذه الأخيرة إلى أكثر من 16 ألفاً من مشاة البحرية. أمام قرار رئيس الوزراء السوفييتي نيكيا خروتشوف بسحب الصواريخ النووية المنصوبة في كوبا من دون استشارة الحكومة الكوبية ولا إبلاغها مسبقاً، حددت كوبا موقف الثورة الثابت بما تسمى "النقاط الخمس". النقطة الخامسة طالبت بسحب قاعدة غوانتانامو. كنّا على وشك الوقوع في حرب نووية-حرارية، نكون فيها الهدف الأول نتيجة السياسة الإمبراطورية الرامية للاستيلاء على كوبا.

في الحادي عشر من شباط/فبراير 1964 قلّص الرئيس ليندون ب. جونسون عدد الكوبيين العاملين في القاعدة نحو 700 عامل. كما صادروا أرصدة تمت مراكمتها كتعويض لمئات العمال الكوبيين الذين كانوا قد عملوا في القاعدة، وألغوا بطريقة غير مشروعة دفع معاشات العمال الكوبيين المتقاعدين.

في التاسع عشر من شباط/فبراير، وفي استفزاز فظ من جانب حراس الحدود الأمريكيين ضد أطقم خفر السواحل الكوبية، اغتيل بدم بارد الجندي الشاب ابن السبع عشرة سنة رامون لويز بينجا، في الحصن الذي كان يقوم فيه بنوبة حراسته.

وفي ظروف مشابهة، تسببت أعيرة أُطلقت من القاعدة في الحادي والعشرين من أيار/مايو 1966 بمقتل الجندي لويس راميريز لوبيز.

خلال 21 يوماً فقط من شهر أيار/مايو 1980 شارك أكثر من 80 ألف رجل و24 سفينة و350 طائرة قتالية في مناورات "Solid Shield-80"، التي شملت بين تمارينها إنزال ألفا رجل من مشاة البحرية في القاعدة البحرية وتعزيز المنشأة المذكورة بألفين و500 عنصر آخرين.

في شهر تشرين الأول/أكتوبر 1991، خلال إحياء المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي الكوبي في سنتياغو دي كوبا، انتهكت طائرات ومروحيّات قادمة من القاعدة المجال الجوي الكوبي فوق تلك المدينة.

في عام 1994 نفعت القاعدة كنقطة إسناد لغزو هايتي: استخدمت الطائرات الحربية الأمريكية مطارات تلك القاعدة. وصل إلى أكثر من 45 ألفاً عدد الهاجرين الهايتيين الذين تم تجميعهم في القاعدة حتى أواسط عام 1995.

على ذات النحو، وقعت في عام 1994 أزمة المهاجرين المعروفة الناتجة عن تشديد الحصار وأقسى سنوات الفترة الخاصة والنكث باتفاق الهجرة الموقع عام 1984 مع إدارة ريغان والتقليص الكبير لعدد التأشيرات الممنوحة وحفز الهجرة غير المشروعة، بما فيها "قانون الضبط الخاص بالكوبيين" الذي أصدره الرئيس جونسون قبل أكثر من أربعين سنة.

كمحصّلة للأزمة الناشئة، تسبب بيان صادر عن الرئيس كلينتون في التاسع عشر من آب/أغسطس من عام 1994 في تحويل القاعدة إلى معسكر تجميعٍ لمهاجري القوارب الكوبيين، حيث وصل عددهم إلى أكثر من 30 ألفاً.

وأخيراً، في التاسع من أيلول/سبتمبر 1994 تم توقيع البيان المشترك بين إدارة كلينتون والحكومة الكوبية، والتزمت الولايات المتحدة عبره بمنع دخول المهاجرين بطريقة غير مشروعة ممن يتم اعتراضهم في عرض البحر إلى أراضي الولايات المتحدة وعلى منح 20 ألف تأشيرة سنوياً كحد أدنى لجمع الشمل العائلي، والذين يسافرون إلى الولايات المتحدة في هذه الحالة بطريقة آمنة.

في الثاني من أيار/مايو 1995، وكجزء من المفاوضات المتعلقة بالهجرة، اتفقت حكومتا كوبا والولايات المتحدة أيضاً على ما سمي هذه المرة "تصريح مشترك" نصّ على إجراءات إعادة جميع الذين يواصلون محاولة الهجرة بطريقة غير مشروعة إلى الولايات المتحدة ويتم اعتراضهم من قبل قوات خفر السواحل الأمريكي وتسليمهم لكوبا.

وليلاحَظ بأن الذِّكر لا يأتي إلا على المهاجرين بطريقة غير مشروعة الذين تعترض قوات خفر السواحل سبيلهم. وهكذا توفرت الشروط للقيام بتجارة شريرة: تهريب الأشخاص. القانون القاتل بقي على حاله. ظلت كوبا البلد الوحيد الخاضع لهذا السوط في العالم. خلافاً لتمكن حوالي 250 ألف شخص من السفر بطريقة آمنة بعيداً عن أية مخاطرة، فإن عدداً يصعب تقديره من النساء والأطفال والأشخاص من كل الأعمار قضوا نحبهم ضحية تجارة تهريب المهاجرين.

اعتباراً من أزمة الهجرة عام 1994 بدأ، باتفاق بين الطرفين، عقد اللقاءات المنتظَمة بين القيادات العسكرية لكل طرف. هناك قطاع من الأراضي المزروعة بالألغام كانت تتعرض للغرق أحياناً بسبب العواصف الاستوائية وطوفان الأنهار. ليس بقليل عدد المرات التي خاطر فيها جنودنا العاملون في حفر الخنادق بحياتهم من أجل إنقاذ أشخاص أثناء عبورهم لتلك الأماكن من المنطقة العسكرية المقيَّدة نهارا أو ليلاً، وفي بعض الأحيان مصحوبين حتى بأطفال.

قاعدة غوانتانامو البحرية اعتباراً من إصدار قانون هيلمز-بيرتون.

هذا القانون، الذي وقّعه الرئيس وليام كلينتون في الثاني عشر من آذار/مارس 1996، ينص في بابه الثاني حول "المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة ومستقلة"، في القسم 201 المتعلق "بالسياسة الموجهة نحو إقامة حكومة انتقالية ومنتخبة ديمقراطياً في كوبا"، الشق 12، بأن من واجب الولايات المتحدة "أن تكون مستعدة للتفاوض مع حكومةٍ يتم انتخابها ديمقراطياً في كوبا على إعادة قاعدة غوانتانامو البحرية الأمريكية أو إعادة التفاوض على الاتفاق المعمول به حالياً على أسس تكون ملائمة للطرفين". وأمر أسوأ مما كان عليه الحاكم العسكري ليونارد وود، الذي أنزل ماشياً إلى جانب تيودور روزفلت في أنحاء سنتياغو دي كوبا: فكرة وضع إلحاقي من أصل كوبي ليدير بلدنا.

حرب كوسوفو عام 1999 تسببت بتهجير عدد كبير من أبناء هذا الإقليم. حكومة كلينتون، المتورطة آنذاك بحرب حلف الناتو على صربيا، اتخذت قرارها باستخدام القاعدة كملجأ لعدد منهم؛ وفي تلك المناسبة، وللمرة الأولى، دون إجراء أي مشاورة مسبقة من أي نوع مع كوبا كما جرت عليه العادة، أبلغت كوبا بقرارها المتَّخَذ. كان ردنا رداً بنّاءاً. فمع أننا كنّا نعارض تلك الحرب الظالمة وغير المشروعة، لم يكن هناك ما يدفعنا للاعتراض على المساعدة الإنسانية التي يمكن أن يحتاجها اللاجئون الكوسوفيون. بل وأننا عرضنا تعاون بلدنا إذا استلزم الأمر لتوفير عناية طبية أو أي خدمة أخرى يحتاجونها. في نهاية الأمر لم يتم إرسال اللاجئين الكوسوفيين إلى قاعدة غوانتانامو البحرية.

في بيان "قسَم باراغواه"، الصادر في التاسع عشر من شباط/فبراير 2000، تم التعبير بأنه "في الوقت المناسب -لأنه لا يشكل هدفاً ذا أولوية في هذه اللحظة، مع أنه حق عادل جداً لشعبنا ولا يمكن التخلي عنه-: الأراضي المحتلة من غوانتانامو بطريقة غير مشروعة يجب إعادتها لكوبا!". في تلك الآونة كنّا منهمكون في النضال من أجل عودة الطفل المخطوف وبالعواقب الاقتصادية للحصار الهمجي.

قاعدة غوانتانامو البحرية اعتباراً من 11 أيلول/سبتمبر.

في الثامن عشر من أيلول/سبتمبر 2001 وقّع الرئيس بوش تشريع كونغرس الولايات المتحدة الذي سمح له باستخدام القوة كرد على اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. وقد استند بوش إلى هذا التشريع لكي يوقّع في الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها أمراً عسكرياً وضع من خلاله الأسس القانونية لأعمال الاعتقال والمحاكمات في محاكم عسكرية، كجزء من "الحرب على الإرهاب"، بحق أفراد لا يحملون صفة مواطنين أمريكيين.

في الثامن من كانون الثاني/يناير 2002 أبلغت الولايات المتحدة كوبا رسمياً بأن من شأنها استخدام قاعدة غوانتانامو البحرية كمركز لاعتقال أسرى حرب أفغان.

بعد ذلك بثلاثة أيام، في 11 كانون الثاني/يناير 2002، وصل المعتقلون العشرون الأوائل، ليصل عددهم في نهاية الأمر إلى 776 أسيراً من 48 بلداً. لم يتم طبعاً ذكر أي من هذه المعطيات. كنا نفترض نحن بأن الأمر يتعلق بأسرى حرب أفغان. الطائرات الأولى هبطت مليئة بالأسرى، وبعدد من الحراس أكبر من عدد الأسرى. في ذلك اليوم نفسه أصدرت كوبا بياناً عاماً أشارت فيه إلى استعدادها للتعاون بتوفير الخدمات الطبية التي يحتاجها الأمر أو القيام ببرامج تنظيف ومكافحة الجراثيم الناقلة الأمراض ومكافحة الأوبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتنا وتحيط بالقاعدة، أو بأي شكل مفيد وبناء وإنساني آخر يحتاجه الأمر. أتذكر هذه المعطيات لأنني شاركت شخصياً في تفاصيل المذكرة المقدَّمة من وزارة العلاقات الخارجية رداً على المذكرة الأمريكية. كم كنّا بعيدين عن التصور في تلك اللحظة بأن حكومة الولايات المتحدة كانت تستعد لإقامة معسكر تعذيب مريع في تلك القاعدة.

الدستور الاشتراكي المقرّ في الرابع والعشرين من شباط/فبراير من عام 1976 كان ينص في الشق ج) من مادته الحادية عشرة بأن "جمهورية كوبا تشجب الاتفاقيات أو المعاهدات أو التنازلات المتفَق عليها بشروط غير متساوية أو التي تتجاهل أو تنتقص من سيادتها وسلامة ووحدة أراضيها وتعتبر هذه الاتفاقات والمعاهدات والتنازلات غير شرعية".

في العاشر من حزيران/يونيو 2002 صادق الشعب الكوبي في عملية استفتاء لم يسبق لها مثيل على المضمون الاشتراكي لدستور عام 1976، وذلك رداً على التعبيرات التدخلية والمهينة من جانب رئيس الولايات المتحدة، واهتمت الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية بتعديله لكي يرسخ صراحة جوانب عدة يأتي من بينها المبدأ الثابت الذي يجب أن يحكم العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية لبلدنا مع دول أخرى، حيث أضافت في ذات المادة الحادية عشرة، الشق ج): "لا يمكن للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية مع دول أخرى أن تخضع أبداً للتفاوض في ظل عدوان أو تهديد أو قهر قوة أجنبية".

بعد الإعلان عن "الرسالة الموجهة إلى الشعب الكوبي"، في الحادي والثلاثين من تموز/يوليو 2006، أعلنت السلطات الأمريكية بأنها لا ترغب بحدوث أزمة مهاجرين جديدة ولكنها تتأهب لمواجهتها وقائياً، وتنظر ضمن هذا الإطار في استخدام قاعدة غوانتانامو البحرية كمعسكر لتجميع المهاجرين بطريقة غير مشروعة الذين يتم اعتراض سبيلهم في عرض البحر. وتفيد تصريحات عامة بأن الولايات المتحدة تقوم بعمليات توسيع للمنشأة المدنية في القاعدة، وذلك بهدف رفع قدرتها على استيعاب مهاجرين غير شرعيين.

كوبا من جهتها اتخذت كل الإجراءات الممكنة من أجل منع وقوع حوادث بين القوات العسكرية لكلا البلدين، وصرحت بأنها على احترامها للالتزامات المقطوعة في التصريح المشترَك حول شؤون الهجرة الموقَّع مع إدارة كلينتون. لم كل هذا الهراء والتهديد والجلبة؟

الدفع الرمزي لإيجار الأراضي التي تشغلها قاعدة غوانتانامو البحرية، البالغ 3386.25 دولاراً في السنة، بقي على حاله حتى عام 1972 حيث عدّله الطرف الأمريكي من تلقاء نفسه وجعله 3676 دولاراً. وفي عام 1973 جرت عملية تصويب جديدة لقيمة الدولار الأمريكي الذهبي قديماُ، ولهذا السبب فإن الصك الصادر عن وزارة الخزينة قد تم رفعه منذ ذلك الحين إلى 4085.00 دولارا سنوياً. وهذا الصك يُخصَم من حساب البحرية الأمريكية، المسؤولية الإدارية عن القاعدة البحرية.

الصكوك التي تصدرها حكومة الولايات المتحدة كدفع بدل إيجار تذهب لصالح "الأمين العام لخزينة جمهورية كوبا"، وهي مؤسسة وموظَّف لم يعد لهما وجود منذ زمن طويل ضمن هيكل الحكومة الكوبية وتُرسَل هذه الصكوك عبر القنوات الدبلوماسية سنوياً. الصك العائد لعام 1959 تحول إلى دخل وطني، وذلك عن طريق الخطأ بكل بساطة. ومنذ عام 1960 وحتى يومنا هذا لم يتم أبداً قبض هذه الصكوك، لتضحي هذه إثباتاً على عملية تأجير مفروضة على مدى أكثر من 107 سنوات. أتصور على نحو متحفّظ بأن قيمتها هي عُشر ما تنفقه حكومة الولايات المتحدة على راتب معلم واحد في السنة.

إن "تعديل بلات" وقاعدة غوانتانامو البحرية على حد سواء كانا زائدين عن الحاجة. فالتاريخ يثبت بأن عددا كبيراً من بلدان هذا النصف من العالم، حيث لم تحدث ثورة كثورتنا، يخضع مجموع أراضيها لحكم الشركات متعددة الجنسيات والأوليغارشيات، لم تحتاج لهذا ولا ذاك. مواطنوها أصحاب المستوى التعليمي المتدني ومعظمهم من الفقراء، كان يتكفل بأمرهم الإعلام عبر زرعه لأفعال منعكسة.

من الناحية العسكرية فإن حاملة طائرات نووية مكتظة بالمدمِّرات وبحراستها العديدة، ومدعمة بالتكنولوجيا وبالأقمار الصناعية، إنما هي أقوى بعدة مرات ويمكنها الانتقال إلى أي مكان من العالم، حيثما ترغب الإمبراطورية.

إنما هم احتاجوا للقاعدة من أجل الإذلال ومن أجل القيام بالأمور القذرة التي تحدث هناك. إذا احتاج الأمر لانتظار انهيار النظام، سننتظر. المعاناة والمخاطر على البشرية كلها ستكون كبيرة، كأزمة البورصات الراهنة، وعدد متزايد من الأشخاص يتنبأون بذلك. انتظار كوبا سيكون دائماً في حالة تأهب للمعركة.

فيدل كاسترو روز

14 آب/أغسطس 2007

6:00 مساءً

 

 

   

SubirSubir